سهيلة عبد الباعث الترجمان

25

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

للعقل والفكر فيه ، وتأكيد على بعد ابن عربي عن أرباب النظر العقلي إذ أن علوم الفلسفة ليست إلّا من هذا القبيل ، وهذه دلالة واضحة على عدم أخذه بالفلسفة ، والتزامه طريق التصوف بأصدق معانيه وأخصّ صوره على ما جاء في كتبه ، وما ناله من اللّه من علم وهبي إلهي . ولعل هذه الوقائع والأحداث مجتمعة قد أثرت في ابن عربي ، فطرق بابه طارق روحاني ألجأه إلى محاريب العبادة والذكر والخلوة ليستعيض بها عن طريق العلم المرسوم ، فخرج إلى البراري هائما على وجهه ، يبغي الوحدة والعزلة ، فعاش بين القبور ، يقول الشعراني : " ثم إنه طرقه طارق من اللّه عز وجل ، فخرج في البراري على وجهه ، إلى أن نزل في قبر فمكث فيه مدة ثم خرج " « 1 » . ويقول ابن العماد : " برز منفردا مؤثرا للتخلي والانعزال عن الناس ما أمكن ، حتى أنه لم يكن يجتمع به إلّا الأفراد " « 2 » . ويرى حاجي خليفة أنه نال ما ناله من المعرفة عند طوافه ببيت اللّه الكريم عندما حجّ فقال : " كنت نويت الحجّ والعمرة ، فلما وصلت أم القرى أقام اللّه سبحانه وتعالى في خاطري أن أعرف الوليّ بفنون من المعارف حصلها في غيبتي ، وكان الأغلب هذه ( منها ) ما فتح اللّه سبحانه وتعالى عليّ عند طوافي ببيته المكرّم " « 3 » . ويخبرنا ابن عربي عن ذلك قائلا : " ولقد كنت انقطعت في القبور مدة منفردا بنفسي ، فبلغني أن شيخنا يوسف بن خلف الكومي « * » قال : إن فلانا - وسمّاني - ترك مجالسة الأحياء وراح يجالس الموتى " « 4 » . وجرت محاورة بينه وبين الشيخ انتهت باعتراف الشيخ أن من يجالس الأموات هو الذي يعيش بين الأحياء لا الذي يعيش بين

--> ( 1 ) الشعراني ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، ص 8 . ( 2 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، مصدر سابق ، الجزء الخامس ، ص 690 . ( 3 ) حاجي خليفة ، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ، مجلد 2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1413 ه / 1992 م ، ص 1238 . ( * ) أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي العبسي ، صحب أبا مدين ، ولقي رجالا بهذه البلاد ، سكن ديار مصر وتأهل بمدينة الإسكندرية عرضت عليه ولاية فاس فأبى ، له في الطريق قدم راسخة وكان الغالب عليه طريق الملاميتة . ( ابن عربي ، روح القدس ، ص 91 ) . ( 4 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 58 ، 59 . ( انظر بلاثيوس ، مرجع سابق ، ص 18 ، عبد الحفيظ فرغلي ، الشيخ الأكبر ، ص 34 ، شذرات الذهب ، ج - 5 ، ص 190 ) .